RAMADAN

Tuesday, August 29, 2017

من كتاب منار الهدى في الوقف والابتدا {سورة الفاتحة}

سورة الفاتحة (1)
مكية مدنية، لأنها نزلت مرتين، مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حوّلت القبلة، وهي سبع آيات إجماعا، لكن عدّ بعضهم البسملة منها. والسابعة صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها وإن لم تكن منها. فالسابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ إلى آخرها، وكلمها مع البسملة تسع وعشرون كلمة، وبغيرها خمس وعشرون كلمة، وحروفها بالبسملة وبقراءة (ملك) بغير ألف مائة وأحد وأربعون حرفا. قاله الإسنوي. على أن ما حذف رسم لا يحسب، لأن الكلمة تزيد حروفها في اللفظ دون الخط. وبيان ذلك أن الحروف الملفوظ بها ولو في حالة كألفات الوصل، وهي بها مائة وسبعة وأربعون حرفا، وقد اتفق علماء الرسم على حذف ست ألفات: ألف اسم من بسم، وألف بعد لام الجلالة مرتين، وبعد ميم الرحمن مرتين، وبعد عين العالمين. والحق الذي لا محيص عنه اعتبار اللفظ عليه، فهل تعتبر ألفات الوصل نظرا إلى أنها قد يتلفظ بها في حالة الابتداء أولا لأنها محذوفة من اللفظ غالبا؟ كل محتمل. والأوّل أوجه، فتحسب مائة وسبعة وأربعين حرفا غير شدّاتها الأربعة عشر، وفيها أربعة وقوف تامّة على أن البسملة آية تامّة منها لا تعلق لها بما بعدها، لأنها جملة من مبتدإ وخبر: أي ابتدائي بسم الله أو في محل نصب، وعلى كل تقدير هو تامّ. قال المازري في شرح التلقين: وإذا كانت قرآنا فهلا كفر الشافعي مالكا وأبا حنيفة في مخالفتهما له في ذلك، كما يكفر هو وغيره من خالف في كون الحمد لله ربّ العالمين قرآنا. قيل لم يثبتها الشافعي قرآنا مثل ما أثبت غيرها، بل أثبتها حكما وعملا لأدلة اقتضت ذلك عنده، ومعنى حكما: أن الصلاة لا تصح إلا بها فهي آية حكما لا قطعا. واختلف هل ثبوت البسملة قرآنا بالقطع، أو بالظن؟ الأصح أن ثبوتها بالظن حتى يكفي فيها أخبار الآحاد، وتعلق الأحكام مظنون، ولا يحكم بكونها قرآنا إلا بالنقل المتواتر قطعا ويقينا، بل ولا نكفر بيقينيّ لم يصحبه تواتر، ولما لم ينقلوا إلينا كون البسملة قرآنا، كما نقلوا غيرها، ولا ظهر ذلك منهم، كما ظهر في غيرها من الآي وجب القطع بأنها ليست من الفاتحة ولم يقل أحد من السلف إن البسملة آية من كل سورة إلا الشافعي، وقد أثبتها نصف القراء السبعة ونصفهم لم يثبتها، والمصحح للقسمة أن لنافع راويين أثبتها أحدهما والآخر لم يثبتها، وقوّة الشبهة بين الفريقين منعت التكفير من الجانبين اه، وفيها ثلاثة وعشرون وقفا، أربعة تامة وستة جائزة يحسن الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بما بعدها، لأن التعلق فيها من جهة اللفظ والوقف حسن، إذ الابتداء لا يكون إلا مستقلا بالمعنى المقصود، وثلاثة عشر يقبح الوقف عليها والابتداء بما بعدها .

مَسْأَلَةٌ الْعِيد إذَا وَافَقَ الْجُمُعَةَ (فَإِنَّا مُجَمِّعُونَ)

[مَسْأَلَةٌ الْعِيد إذَا وَافَقَ الْجُمُعَةَ]
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا فِي الْعِيدِ إذَا وَافَقَ الْجُمُعَةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ، وَلَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؛ وَقَالَ الْآخَرُ: يُصَلِّيهَا. فَمَا الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا اجْتَمَعَ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ. كَمَا تَجِبُ سَائِرُ الْجُمَعِ لِلْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ.
وَالثَّانِي: تَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الْبَرِّ، مِثْلَ أَهْلِ الْعَوَالِي وَالشَّوَاذِّ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرْخَصَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ لِيَشْهَدَهَا مَنْ شَاءَ شُهُودَهَا، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ. وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ: كَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا اجْتَمَعَ فِي يَوْمِهِ عِيدَانِ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ قَدْ أَصَبْتُمْ خَيْرًا، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فَلْيَشْهَدْ، فَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا شَهِدَ الْعِيدَ حَصَلَ مَقْصُودُ الِاجْتِمَاعِ، ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ، فَتَكُونُ الظُّهْرُ فِي وَقْتِهَا، وَالْعِيدُ يُحَصِّلُ مَقْصُودَ الْجُمُعَةِ. وَفِي إيجَابِهَا عَلَى النَّاسِ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ، وَتَكْدِيرٌ لِمَقْصُودِ عِيدِهِمْ، وَمَا سُنَّ لَهُمْ مِنْ السُّرُورِ فِيهِ، وَالِانْبِسَاطِ. فَإِذَا حُبِسُوا عَنْ ذَلِكَ عَادَ الْعِيدُ عَلَى مَقْصُودِهِ بِالْإِبْطَالِ، وَلِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدٌ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ عِيدٌ، وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِعِ إذَا اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَدْخَلَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى.
كَمَا يَدْخُلُ الْوُضُوءُ فِي الْغُسْلِ، وَأَحَدُ الْغُسْلَيْنِ فِي الْآخَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى لإبن تيمية (2-364-365) كذلك ما يلي :
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ قَالَ: إذَا جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَصَلَّى الْعِيدَ، إنْ اشْتَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَلَا. فَهَلْ هُوَ فِيمَا قَالَ مُصِيبٌ أَمْ مُخْطِئٌ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. إذَا اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْعِيدِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْجُمُعَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى الْعِيدَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجُمُعَةَ سَقَطَتْ عَنْ السَّوَادِ الْخَارِجِ عَنْ الْمِصْرِ، كَمَا يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ أَذِنَ لِأَهْلِ الْقُرَى فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، وَاتَّبَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ لِيَشْهَدَهَا مَنْ أَحَبَّ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي عَهْدِهِ عِيدَانِ فَصَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ» .
وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ وَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ قَدْ أَصَبْتُمْ خَيْرًا، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فَلْيَشْهَدْ، فَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ فِي السُّنَنِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ خَيَّرَ النَّاسَ فِي شُهُودِ الْجُمُعَةِ.
وَفِي السُّنَنِ حَدِيثٌ ثَالِثٌ فِي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ عِيدَانِ فَجَمَعَهُمَا أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ إلَّا الْعَصْرَ. وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَلَ ذَلِكَ، وَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: قَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ.
وَهَذَا الْمَنْقُولُ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ بَلَغَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَاَلَّذِينَ خَالَفُوهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (نفس ما سبق 365-366)






Sunday, August 13, 2017

مقدمة كتاب منار الهدى، في بيان الوقف والابتداء لأحمد بن عبدالكريم بن عبدالكريم الأشموني

من كتاب منار الهدى في الوقف والابتدا


[خطبة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم  الحمد لله  الذي نوّر قلوب أهل القرآن بنور معرفته تنويرا، وكسا  وجوههم من إشراق ضياء بهجته نورا، وجعلهم من خاصة أحبابه إكراما لهم وتوقيرا، فجعل صدورهم أوعية كتابه ووفقهم لتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ليعظم لهم بذلك أجورا، فترى وجوههم كالأقمار تتلألأ من الإشراق وتبتهج سرورا، وقد أخبر عنهم الصادق المصدوق ممثلا بأنهم جراب مملوء مسكا وأعظم بذلك فخرا وتبشيرا، فيا لها من نعمة طهروا بها تطهيرا، وجاوزوا بها عزّا ومهابة وتحبيرا، فهم أعلى الناس درجات في الجنان تخدمهم فيها الملائكة الكرام عشيّا وبكورا، ويقال لهم في الجنة تهنئة لهم وتبشيرا، إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً فسبحانه من إله عظيم تعالى في ملكه عَمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كَبِيراً، تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً أحمده سبحانه وتعالى حمد من قام بواجب تجويد  كلامه ومعرفة وقوفه  ونسأله من فيض فضله وإحسانه لطفا وعناية وتيسيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يغدو قلب قائلها مطمئنا مستنيرا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم عبده ورسوله الذي اختاره الله من القدم حبيبا ونبيّا ورسولا، وأرسله إلى الثقلين بشيرا ونذيرا، وقد أخذ له العهد والميثاق على سائر المخلوقات وكتب له بذلك منشورا.
أما بعد: فيقول العبد الفقير القائم على قدمي العجز والتقصير، الراجي عفو ربه القدير، أحمد بن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الكريم، عامل الله الجميع بفضله العميم، وأسكنهم من إحسانه جنات النعيم: هذا تأليف لم يسألني فيه أحد لعلمهم أني قليل البضاعة، غير دريّ بهذه الصناعة، فإني والله لست أهلا لقول ولا عمل، وإني والله من ذلك على وجل، لكن الكريم يقبل من تطفل، ولا يخيب من عليه عوّل، فإني بالعجز معلوم، ومثلي عن الخطأ غير معصوم، وبضاعتي مزجاة ، وتسمع بالمعيديّ خير من أن تراه ، فشرعت فيما قصدت، وما لغيري وجدت، وذلك بعد لبثي حينا من الدهر أتروّى وأتأمل، وأنا إلى جمع ما تشتت من ذلك أميل، قادني إلى ذلك أمل ثواب الآخرة، سائلا من المولى الكريم الصواب والإعانة، متبرئا من حولي وقوّتي إلى من لا حول ولا قوّة إلا به، والمأمول من ذي العزة والجلال، أن ينفع به في الحال والمآل، وأن يكون تذكرة لنفسي في حياتي. وأثرا لي بعد وفاتي، فلا تكن ممن إذا رأى صوابا غطاه، وإذا وجد سهوا نادى عليه وأبداه، فمن رأى خطأ منصوصا عليه فليضفه بطرّته إليه والنصّ عليه.
يا من غدا ناظرا فيما كتبت ومن ... أضحى يردّد فيما قلته النّظرا
سألتك الله إن عاينت لي خطأ ... فاستر عليّ فخير الناس من سترا 
فالموافق تكفيه الإشارة، ولا ينفع الحسود تطويل العبارة، وعلى الله اعتمادي في بلوغ التكميل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وسميته: منار الهدى، في بيان الوقف والابتداء
 (حذف همزة كلمة «الابتداء» وهذا جائز على بعض لغات العرب، وقد ورد ذلك أيضا في كتاب الله الكريم في قراءة «حمزة» عند الوقف حيث إنه يحذف الهمزة عند الوقف، ووافقه في ذلك هشام.) مقدما أمام المقصود فوائد وتنبيهات تنفع القارئ وتعينه على معرفة الوقف والابتداء ليكون على بصيرة إذا خاض في هذا البحر الزخار، الذي لا يدرك له قرار، ولا يسلك إلى قنته ولا يصار، من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولا، ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلا قد أودع الله فيه علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغيّ، فترى كل ذي فنّ منه يستمد، وعليه يعتمد، جعله للحكم مستودعا ولكل علم منبعا، وإلى يوم القيامة نجما طالعا، ومنارا لامعا، وعلما ظاهرا، ولا يقوم بهذا الفن  إلا من له باع في العربية، عالم بالقراءات، عالم بالتفسير، عالم باللغة التي نزل القرآن بها على خير خلقه، مزيل الغمة بعثه به بشيرا ونذيرا إلى خير أمة شهد به كتابه المبين، عن لسان رسوله الصادق الأمين، جعله كتابا فارقا بين الشك واليقين، أعجز الفصحاء معارضته، وأعيا الألباء مناقضته، وأخرس البلغاء مشاكلته، جعل أمثاله عبرا للمتدبرين، وأوامره هدى المستبصرين، ضرب فيه الأمثال، وفرّق فيه بين الحرام والحلال، وكرّر القصص والمواعظ بألفاظ لا تمل، وهي مما سواها أعظم وأجلّ، ولا تخلق على كثرة الترديد، بل بكثرة تلاوتها حسنا وحلاوة ولا تزيد، قد حثنا على فهم معانيه، وبيان أغراضه ومبانيه، فليس المراد حفظ مبناه، بل فهم قارئه معناه، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فقد ذمّ الله اليهود حيث يقرءون التوراة من غير فهم فقال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ  فعلى العاقل الأديب، والفطن اللبيب، أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنية، ويأخذ بالرتبة السنية، فيقف على أهم العلوم وآكدها المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة، وهي بعد تجويد ألفاظه خمسة: علم العربية، والصرف، واللغة، والمعاني، والبيان.