RAMADAN

Wednesday, March 7, 2018

لبيد بن ربيعة لله نافلة الأجل الأفضل


لِلَّهِ نافِلَةُ الأَجَلِّ الأَفضَلِ

وَلَهُ العُلى وَأَثيثُ كُلِّ مُؤَثَّلِ

لا يَستَطيعُ الناسُ مَحوَ كِتابِهِ

أَنّى وَلَيسَ قَضائُهُ بِمُبَدَّلِ

سَوّى فَأَغلَقَ دونَ غُرَّةِ عَرشِهِ

سَبعاً طِباقاً فَوقَ فَرعِ المَنقَلِ

وَالأَرضَ تَحتَهُمُ مِهاداً راسِياً

ثَبَتَت خَوالِقُها بِصُمِّ الجَندَلِ

وَالماءُ وَالنيرانُ مِن آياتِهِ

فيهِنَّ مَوعِظَةٌ لِمَن لَم يَجهَلِ

بَل كُلُّ سَعيِكَ باطِلٌ إِلّا التُقى

فَإِذا اِنقَضى شَيءٌ كَأَن لَم يُفعَلِ

لَوكانَ شَيءٌ خالِداً لَتَواءَلَت

عَصماءُ مُؤلِفَةٌ ضَواحِيَ مَأسَلِ

بِظُلوفِها وَرَقُ البَشامِ وَدونَها

صَعبٌ تَزِلُّ سَراتُهُ بِالأَجدَلِ

أَو ذو زَوائِدَ لا يُطافُ بِأَرضِهِ

يَغشى المُهَجهَجَ كَالذَنوبِ المُرسَلِ

في نابِهِ عِوَجٌ يُجاوِزُ شِدقَهُ

وَيُخالِفُ الأَعلى وَراءَ الأَسفَلِ

فَأَصابَهُ رَيبُ الزَمانِ فَأَصبَحَت

أَنيابُهُ مِثلَ الزِجاجِ النُصَّلِ

وَلَقَد رَأى صُبحٌ سَوادَ خَليلِهِ

مِن بَينِ قائِمِ سَيفِهِ وَالمِحمَلِ

صَبَّحنَ صُبحاً حينَ حُقَّ حِذارُهُ

فَأَصابَ صُبحاً قائِفٌ لَم يَغفَلِ

فَاِلتَفَّ صَفقُهُما وَصُبحٌ تَحتَهُ

بَينَ التُرابِ وَبَينَ حِنوِ الكَلكَلِ

وَلَقَد جَرى لُبَدٌ فَأَدرَكَ جَريَهُ

رَيبُ الزَمانِ وَكانَ غَيرَ مُثَقَّلِ

لَمّا رَأى لُبَدُ النُسورِ تَطايَرَت

رَفَعَ القَوادِمَ كَالفَقيرِ الأَعزَلِ

مِن تَحتِهِ لُقمانُ يَرجو نَهضَهُ

وَلَقَد رَأى لُقمانُ أَن لا يَأتَلي

غَلَبَ اللَيالي خَلفَ آلِ مُحَرِّقٍ

وَكَما فَعَلنَ بِتُبَّعٍ وَبِهِرقَلِ

وَغَلَبنَ أَبرَهَةَ الَّذي أَلفَينَهُ

قَد كانَ خَلَّدَ فَوقَ غُرفَةِ مَوكِلِ

وَالحارِثُ الحَرّابُ خَلّى عاقِلاً

داراً أَقامَ بِها وَلَم يَتَنَقَّلِ

تَجري خَزائِنُهُ عَلى مَن نابَهُ

مَجرى الفُراتِ عَلى فِراضِ الجَدوَلِ

حَتّى تَحَمَّلَ أَهلُهُ وَقَطينُهُ

وَأَقامَ سَيِّدُهُم وَلَم يَتَحَمَّلِ

وَالشاعِرونَ الناطِقونَ أَراهُمُ

سَلَكوا سَبيلَ مُرَقِّشٍ وَمُهَلهِلِ


الراعي النميري بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا


بانَ الأَحِبَّةُ بِالعَهدِ الَّذي عَهِدوا

فَلا تَمالُكَ عَن أَرضٍ لَها عَمَدوا

وَرادَ طَرفُكَ في صَحراءَ ضاحِيَةٍ

فيها لِعَينَيكَ وَالأَظعانِ مُطَّرِدُ

وَاِستَقبَلَت سَربَهُم هَيفٌ يَمانِيَةٌ

هاجَت نِزاعاً وَحادٍ خَلفَهُم غَرِدُ

حَتّى إِذا حالَتِ الأَرحاءُ دونَهُمُ

أَرحاءَ أَرمُلَ حارَ الطَرفُ أَو بَعَدوا

حَثّوا الجِمالَ وَقالوا إِنَّ مَشرَبَكُم

وادي المِياهِ وَأَحساءٌ بِهِ بُرُدُ

وَفي الخِيامِ إِذا أَلقَت مَراسِيَها

حورُ العُيونِ لِإِخوانِ الصِبى صُيُدُ

كَأَنَّ بَيضَ نَعامٍ في مَلاحِفِها

إِذا اِجتَلاهُنَّ قَيظٌ لَيلُهُ وَمِدُ

لَها خُصورٌ وَأَعجازٌ يَنوءُ بِها

رَملُ الغِناءِ وَأَعلى مَتنِها رُؤُدُ

مِن كُلِّ واضِحَةِ الذِفرى مُنَعَّمَةٍ

غَرّاءَ لَم يَغذُها بُؤسٌ وَلا وَبَدُ

يَثني مَساوِفُها غُرضوفَ أَرنَبَةً

شَمّاءَ مِن رَخصَةٍ في جيدِها أَوَدُ

لَها لِثاثٌ وَأَنيابٌ مُفَلَّجَةٌ

كَالأُقحُوانِ عَلى أَطرافِهِ البَرَدُ

يَجري بِها المِسكُ وَالكافورُ آوِنَةً

وَالزَعفَرانُ عَلى لَبّاتِها جَسِدُ

كَأَنَّ رَيطَةَ جَبّارٍ إِذا طُوِيَت

بَهوُ الشَراسيفِ مِنها حينَ تَنخَضِدُ

نِعمَ الضَجيعُ بُعَيدَ النَومِ يُلجِئُها

إِلى حَشاكَ سَقيطُ اللَيلِ وَالثَأَدُ

كَأَنَّ نَشوَتَها وَاللَيلُ مُعتَكِرٌ

بَعدَ العِشاءِ وَقَد مالَت بِها الوُسُدُ

صَهباءُ صافِيَةٌ أَغلى التِجارُ بِها

مِن خَمرِ عانَةَ يَطفو فَوقَها الزَبَدُ

لَولا المَخاوِفُ وَالأَوصابُ قَد قَطَعَت

عُرضَ الفَلاةِ بِنا المَهرِيَّةُ الوُخُدُ

في كُلِّ غَبراءَ مَخشِيٍّ مَتالِفُها

جَدّاءَ لَيسَ بِها عِدٌّ وَلا ثَمَدُ

تُمسي الرِياحُ بِها حَسرى وَيَتبَعُها

سُرادِقٌ لَيسَ في أَطرافِهِ عَمَدُ

بَصباصَةُ الخِمسِ في زَوراءَ مَهلَكَةٍ

يَهدي الأَدِلّاءَ فيها كَوكَبٌ وَحَدُ

كَلَّفتُ مَجهولَها نوقاً يَمانِيَةً

إِذا الحُداةُ عَلى أَكسائِها حَفَدوا

حُسبَ الجَماجِمِ أَشباهاً مُذَكَّرَةً

كَأَنَّها دُمُكٌ شيزِيَّةٌ جُدُدُ

قامَ السُقاةَ فَناطوها إِلى خُشُبٍ

عَلى كُبابٍ وَحَومٍ خامِسٌ يَرِدُ

ذَوُو جَآجِئَ مُبتَلٌّ مَآزِرُهُم

بَينَ المَرافِقِ في أَيديهِمُ حَرَدُ

أَو رَعلَةٌ مِن قَطا فَيحانَ حَلَّأَها

عَن ماءِ يَثبَرَةَ الشُبّاكُ وَالرَصَدُ

تَنجو بِهِنَّ مِنَ الكُدرِيِّ جانِيَةٌ

بِالرَوضِ رَوضِ عَماياتٍ لَها وَلَدُ

لَمّا تَخَلَّسَ أَنفاساً قَرائِنُها

مِن غَمرِ سَلمى دَعاها تَوأَمٌ قَرِدُ

تَهوي لَهُ بِشُعَيبٍ غَيرِ مُعصَمَةٍ

مُنغَلَّةٍ دونَها الأَحشاءُ وَالكَبِدُ

دونَ السَماءِ وَفَوقَ الأَرضِ مَسلَكُها

تيهٌ نَفانِفُ لا بَحرٌ وَلا بَلَدُ

تَطاوَلَ اللَيلُ مِن هَمٍّ تَضَيَّفَني

دونَ الأَصارِمِ لَم يَعشُر بِهِ أَحَدُ

إِلّا نَجِيَّةَ آرابٍ تُقَلِّبُني

كَما تَقَلَّبَ في قُرموصِهِ الصَرِدُ

مِن أَمرِ ذي بَدَواتٍ لا تَزالُ لَهُ

بَزلاءُ يَعيا بِها الجَثّامَةُ اللُبَدُ

وَعَينِ مُضطَمِرِ الكَشحَينِ أَرَّقَهُ

هَمٌّ غَريبٌ وَناوي حاجَةٌ أَفِدُ

وَناقَةٍ مِن عِتاقِ النوقِ ناجِيَةٍ

حَرفٍ تَباعَدَ مِنها الزَورُ وَالعَضَدُ

ثَبجاءَ دَفواءَ مَبنيٍّ مَرافِقُها

عَلى حَصيرَينِ في دَفَّيهِما جُدَدُ

مَقّاءَ مَفتوقَةِ الإِبطَينِ ماهِرَةٍ

بِالسَومِ ناطَ يَدَيها حارِكٌ سَنَدُ

يَنجو بِها عُنُقٌ صَعلٌ وَتُلحِقُها

رِجلٍ أَصَكَّ خِدَبٍّ فَوقَهُ لَبِدُ

تُضحي إِذا العيسُ أَدرَكنا نَكائِثَها

خَرقاءَ يَعتادُها الطوفانُ وَالزُؤُدُ

كَأَنَّها حُرَّةُ الخَدَّينِ طاوِيَةٌ

بِعالِجٍ دونَها الخَلّاتُ وَالعُقَدُ

تَرمي الفِجاجَ بِكَحلاوَينِ لَم تَجِدا

ريحَ الدُخانِ وَلَم يَأخُذهُما رَمَدُ

باتَت بِشَرقِيِّ يَمؤودٍ مُباشَرَةً

دِعصاً أَرَذَّ عَلَيهِ فُرَّقٌ عُنُدُ

في ظِلِّ مُرتَجِزٍ تَجلو بَوارِقُهُ

لِلناظِرَينِ رِواقاً تَحتَهُ نَضَدُ

طَورَينِ طَوراً يَشُقُّ الأَرضَ وابِلُهُ

بَعدَ العَزازَ وَطَوراً ديمَةٌ رَغَدُ

حَتّى غَدَت في بَياضِ الصُبحِ طَيِّبَةً

ريحَ المَباءَةَ تَخدي وَالثَرى عَمِدُ

لَمّا رَأَت ما أُلاقي مِن مُجَمجَمَةٍ

هِيَ النَجِيُّ إِذا ما صُحبَتي هَجَدوا

قامَت خُلَيدَةُ تَنهاني فَقُلتُ لَها

إِنَّ المَنايا لِميقاتٍ لَهُ عَدَدُ

وَقُلتُ ما لِاِمرِئٍ مِثلي بِأَرضِكُمُ

دونَ الإِمامِ وَخَيرِ الناسِ مُتَّأَدِ

إِنّي وَإِيّاكِ وَالشَكوى الَّتي قَصَرَت

خَطوي وَنَأيُكِ وَالوَجدُ الَّذي أَجِدُ

كَالماءِ وَالظالِعُ الصَديانُ يَطلُبُهُ

هُوَ الشِفاءُ لَهُ وَالرِيُّ لَو يَرِدُ

إِنَّ الخِلافَةَ مِن رَبّي حَباكَ بِها

لَم يُصفِها لَكَ إِلّا الواحِدُ الصَمَدُ

أَلقابِضُ الباسِطُ الهادي لِطاعَتِهِ

في فِتنَةِ الناسِ إِذ أَهواؤُهُم قِدَدُ

أَمراً رَضيتَ لَهُ ثُمَّ اِعتَمَدتَ لَهُ

وَاِعلَم بِأَنَّ أَمينَ اللَهِ مُعتَمَدُ

وَاللَهُ أَخرَجَ مِن عَمياءَ مُظلِمَةٍ

بِحَزمِ أَمرِكَ وَالآفاقُ تَجتَلِدُ

فَأَصبَحَ اليَومَ في دارٍ مُبارَكَةٍ

عِندَ المَليكِ شِهاباً ضَوءُهُ يَقِدُ

وَنَحنُ كَالنَجمِ يَهوي مِن مَطالِعِهِ

وَغوطَةُ الشامِ مِن أَعناقِنا صَدَدُ

نَرجو سِجالاً مِنَ المَعروفِ تَنفَحُها

لِسائِليكَ فَلا مَنٌّ وَلا حَسَدُ

ضافي العَطِيَّةِ راجيهِ وَسائِلُهُ

سَيّانِ أَفلَحَ مَن يُعطي وَمَن يَعِدُ

أَنتَ الحَيا وَغِياثٌ نَستَغيثُ بِهِ

لَو نَستَطيعُ فَداكَ المالُ وَالوَلَدُ

أَزرى بِأَموالِنا قَومٌ أَمَرتَهُمُ

بِالعَدلِ فينا فَما أَبقوا وَما قَصَدوا

نُعطي الزَكاةَ فَما يَرضى خَطيبُهُمُ

حَتّى نُضاعِفَ أَضعافاً لَها غُدَدُ

أَمّا الفَقيرُ الَّذي كانَت حُلوبَتُهُ

وَفقَ العِيالِ فَلَم يُترَك لَهُ سَبَدُ

وَاِختَلَّ ذو المالِ وَالمُثرونَ قَد بَقِيَت

عَلى التَلاتِلِ مِن أَموالِهِم عُقَدُ

فَإِن رَفَعتَ بِهِم رَأساً نَعَشتَهُمُ

وَإِن لَقوا مِثلَها في قابِلٍ فَسَدوا


Sunday, December 31, 2017

رثاء كعب بن سعد الغنوي لأخيه أبي المغوار

رثاء كعب بن سعد الغنوي لأخيه أبي المغوار

تَقولُ اِبنَةَ العَبسِيِّ قَد شِبتَ بَعدَنا وَكُلُّ اِمرِئٍ بَعدَ الشَبابِ يَشيبُ
وَما الشَيبُ إِلّا غائِبٌ كانَ جائِياً وَما القَولُ إِلّا مُخطِئٌ وَمُصيبُ
تَقولُ سُلَيمى ما لَجِسمِكَ شاحِباً كَأَنَّكَ يَحميكَ الشَرابَ طَبيبُ
فَقُلتُ وَلَم أَعيَ الجَوابَ وَلَم أَبُح وَلِلدَهرِ في الصُمِّ الصِلابِ نَصيبُ
تَتابُعُ أَحداثٍ يُجَرِّعنَ إِخوَتي فَشَيَّبنَ رَأسي وَالخُطوبُ تُشيبُ
لَعَمري لَئِن كانَت أَصابَت مَنِيَّةٌ أَخي وَالمَنايا لِلرِجالِ شَعوبُ
لَقَد كانَ أَمّا حِلمُهُ فَمُرَوِّحٌ عَلَيَّ وَأَمّا جَهلُهُ فَعَزيبُ
أَخي ما أَخي لا فاحِشٌ عِندَ ريبَةٍ وَلا وَرِعٌ عِندَ اللِقاءِ هَيوبُ
أَخٌ كانَ يَكفيني وكانَ يُعينُني عَلى النائِباتِ السُودِ حينَ تَنوبُ
حَليمٌ إِذا ما سَورَةُ الجَهلِ أَطلَقَت حُبى الشَيبِ لِلنَفسِ اللَجوجِ غَلوبُ
هُوَ العَسَلُ الماذِيُّ حِلماً وَشيمَةً وَلَيثٌ إِذا لاقى العُداةَ قَطوبُ
هَوَت أُمُّهُ ما يَبعَثُ الصُبحُ غادِياً وَماذا يَوَدُّ اللَيلُ حينَ يَؤوبُ
هَوَت أُمُّهُ ماذا تَضَمَّنَ قَبرُهُ مِنَ المَجدِ وَالمَعروفِ حينَ يَنوبُ
فَتىً أَريحِيٌّ كانَ يَهتَزُّ لِلنَدى كَما اِهتَزَّ مِن ماءِ الحَديدِ قَضيبُ
كَعالِيَةِ الرُمحِ الرُدَينِيِّ لَم يَكُن إِذا اِبتَدَرَ القَومُ العُلاءَ يَخيبُ
أَخو سَنواتٍ يَعلَمُ الضَيفُ أَنَّهُ سَيُكثِرُ ماءً في إِناهُ يَطيبُ
حَبيبٌ إِلى الزُوّارِ غِشيَانُ بَيتِهِ جَميلُ المُحَيّا شَبَّ وَهوَ أَديبُ
إِذا قَصَّرَت أَيدي الرِجال عَنِ العُلا تَناوَلَ أَقصى المَكرُماتِ كَسوبُ
جموعُ خِلالِ الخَيرِ مِن كُلِّ جانِبٍ إِذا حَلَّ مَكروهٌ بِهِنَّ ذَهوبُ
مُفيدٌ لِمَلقى الفائِداتِ مُعاوِدٌ لِفِعلِ النَدى وَالمَكرُماتِ نَدوبُ
وَداعٍ دعا هَل مَن يُجيبُ إِلى النَدى فَلَم يَستَجِبهُ عِندَ ذاكَ مُجيبُ
فَقُلتُ اِدعُ أُخرى وَاِرفَعِ الصَوتَ جَهرةً لَعَلَّ أَبا المِغوارِ مِنكَ قَريبُ
يُجِبكَ كَما قَد كانَ يَفعَلُ إِنَّهُ بِأَمثالِها رَحبُ الذِراعِ أَريبُ
أَتاكَ سَريعاً وَاِستَجابَ إِلى النَدى كَذالِكَ قَبلَ اليَومِ كانَ يُجيبُ
كَأَنَّهُ لَم يَدعُ السَوابِحُ مَرَّةً إِذا اِبتَدَرَ الخَيلَ الرِجالُ نَجيبُ
فَتىً لا يُبالي أَن تَكونَ بِجِسمِهِ إِذا حالَ حالاتُ الرِجالِ شُحوبُ
إِذا ما تَراءى لِلرِجالِ رَأَيتَهُ فَلَم يَنطِقوا اللَغواءَ وَهوَ قَريبُ
عَلى خَيرِ ما كانَ الرِجالُ رَأَيتُهُ وَما الخَيرُ إِلّا طُعمَةٌ وَنَصيبُ
حَليِفُ النَدى يَدعو النَدى فَيُجيبُهُ سَريعاً وَيَدعوهُ النَدى فَيُجيبُ
غِياثٌ لِعانٍ لَم يَجِد مَن يُغيثُهُ وَمُختَبِطٍ يَغشى الدُخانَ غَريبُ
عَظيمُ رَمادِ النارِ رَحبٌ فِناؤُهُ غِلى سَنَدٍ لَم تَحتَجِبهُ عُيوبُ
يَبيتُ النَدى يا أُمَّ عَمرٍ ضَجيعَةُ إِذا لَم يَكُن في المُنقِياتِ حَلوبُ
حَليمٌ إِذا ما الحِلمُ زَيَّنَ أَهلَهُ مَعَ الحِلمِ في عَينِ العَدُوِّ مهيبُ
مُعَنّىً إِذا عادى الرِجالَ عَداوَةً بَعيداً إِذا عادى الرِجالَ رَهيبُ
غَنينا بِخَيرٍ حِقبَةً ثُمَّ جَلَّحَت عَلَينا الَّتي كُلَّ الأَنامِ تُصيبُ
فَأَبقَت قَليلاً ذاهِباً وَتَجَهَّزَت لِآخَرَ وَالراجي الحَياةَ كذوبُ
وَأَعلَمُ أَنّ الباقِيَ الحَيَّ مِنهُمُ إِلى أَجَلٍ أَقصى مَداهُ قَريبُ
لَقَد أَفسَدَ الموت الحَياةَ وَقَد أَتى عَلى يَومِهِ عِلقٌ عَلَيَّ جَنيبُ
أَتى دونَ حُلوِ العَيشِ حَتّى أَمَرَّهُ نَكوبٌ عَلى آثارِهِنَّ نُكوبُ
فَإِن تَكُنِ الأَيّامُ أَحسَنَّ مَرَّةً إِلَيَّ فَقَد عادَت لَهُنَّ ذُنوبُ
كَأَنَّ أَبا المِغوارِ لَم يوفِ مَرقباً إِذا ما رَبا القَومَ الغُزاةَ رَقيبُ
وَلَم يَدعُ فِتياناً كِراماً لِمَيسِرٍ إِذا اِشتَدَّ مِن ريحِ الشِتاءِ هُبوبُ
فَإِن غابَ عَنّا غائِبٌ أَو تَخاذَلو كَفى ذاكَ مِنهُم وَالجَنابُ خَصيبُ
كَأَنَّ أَبا المِغوارِ ذا المَجدِ لم تجب بِهِ البيدَ عيسٌ بِالفَلاةِ جَيوبُ
عَلاةٌ تَرى فيها إِذا حُطَّ رَملُها نُدوباً عَلى آثارِهِنَّ نُدوبُ
وَإِنّي لَباكيهِ وَإِنّي لَصادِقٌ عَلَيهِ وَبَعضُ القائِلينَ كَذوبُ
فَتى الحَربِ إِن جارَت كَأَنَّ سَماءَها وَفي السَفرِ مِفضالُ اليَدَينِ وَهوبُ
وَحَدَّثتُماني إِنَّما المَوتُ في القِرى فَكَيفَ وَهَذيِ هَضبَةٌ وَكَثيبُ
وَماءُ سَماءٍ كان غَيرَ مَجَمَّةٍ بِبادِيَةٍ تَجري عَلَيهِ جَنوبُ
وَمَنزِلُهُ في دارِ صِدقٍ وَغِبطَةٍ وَما قالَ من حُكمٍ عَلَيهِ طَبيبُ
فَلَو كانَتِ الدُنيا تُباعُ اِشتَرَيتُهُ بِها إِذ بِهِ كانَ النُفوسُ تَطيبُ
بِعَينَيَّ أَو يُمنى يَدَيَّ وَقيلَ لي هُوَ الغانِمُ الجَذلانُ يَومَ يَؤوبُ
لَعَمري كَما أَنّ البَعيدَ لَما مَضى فَإِنَّ الَّذي يَأتي غَداً لَقَريبُ
وَإِنّي وَتَأميلي لِقاءَ مُؤَمَّلٍ وَقَد شَعَبَتهُ عَن لِقاي شَعوبُ
كَداعي هُذَيلٍ لا يَزالُ مُكَلَّفاً وَلَيسَ لَهُ حَتّى المَماتِ مُجيبُ
فَوَاللَهِ لا أَنساهُ ما ذَرَّ شارِقٌ وَما اِهتَزَّ مِن فَرقِ الأَراكِ قَضيبُ

Sunday, October 1, 2017

نعد المشرفية والعوالي من روائع المتنبي

وتَقْتُلُنا المَنُونُ بِلا قِتالِ
نُعِدّ المَشرَفيّةَ والعَوالي
وما يُنْجينَ مِنْ خبَبِ اللّيالي
ونَرْتَبِطُ السّوابِقَ مُقرَباتٍ
ولكِنْ لا سَبيلَ إلى الوِصالِ
ومَنْ لم يَعشَقِ الدّنيا قَديماً
نَصيبُكَ في مَنامِكَ من خيَالِ
نَصيبُكَ في حَياتِكَ من حَبيبٍ
فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ
رَماني الدّهرُ بالأرزاءِ حتى
تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ
فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ
لأنّي ما انْتَفَعتُ بأنْ أُبالي
وهانَ فَما أُبالي بالرّزايا
لأوّلِ مَيْتَةٍ في ذا الجَلالِ
وهَذا أوّلُ النّاعينَ طُرّاً
ولم يَخْطُرْ لمَخلُوقٍ بِبالِ
كأنّ المَوْتَ لم يَفْجَعْ بنَفْسٍ
على الوَجْهِ المُكَفَّنِ بالجَمَالِ
صَلاةُ الله خالِقِنا حَنُوطٌ
وقَبلَ اللّحدِ في كَرَمِ الخِلالِ
على المَدْفونِ قَبلَ التُّرْبِ صَوْناً
جَديداً ذِكْرُناهُ وهْوَ بَالِ
فإنّ لهُ ببَطْنِ الأرْضِ شَخْصاً
تَمَنّتْهُ البَوَاقي والخَوَالي
أطابَ النّفسَ أنّكِ مُتِّ مَوْتاً
تُسَرّ النّفسُ فيهِ بالزّوالِ
وزُلْتِ ولم تَرَيْ يَوْماً كَريهاً
ومُلْكُ عَليٍّ ابنِكِ في كمَالِ
رِواقُ العِزّ فَوْقَكِ مُسْبَطِرٌّ
نَظيرُ نَوَالِ كَفّكِ في النّوالِ
سَقَى مَثْواكِ غادٍ في الغَوادي
كأيدي الخَيلِ أبصَرتِ المَخالي
لِساحبهِ على الأجداثِ حَفْشٌ
وما عَهدي بمَجدٍ عَنكِ خالِ
أُسائِلُ عَنكِ بعدَكِ كلّ مَجدٍ
ويَشغَلُهُ البُكاءُ عَنِ السّؤالِ
يَمُرّ بقَبرِكِ العافي فيَبكي
لَوَ انّكِ تَقدِرينَ على فَعَالِ
وما أهداكِ لِلْجَدْوَى عَلَيْهِ
وإنْ جانَبْتُ أرْضَكِ غيرُ سالِ
بعَيشِكِ هلْ سَلَوْتِ فإنّ قَلبي
بَعُدْتِ عنِ النُّعامى والشَّمالِ
نَزَلْتِ على الكَراهَةِ في مَكانٍ
وتُمْنَعُ منكِ أنْداءُ الطِّلالِ
تُحَجّبُ عنكِ رائحَةُ الخُزامَى
بَعيدُ الدّارِ مُنْبَتُّ الحِبالِ
بدارٍ كلّ ساكِنِها غَريبٌ
كَتُومُ السّرّ صادِقَةُ المَقالِ
حَصانٌ مثلُ ماءِ المُزْنِ فيهِ
وواحِدُها نِطاسِيُّ المَعَالي
يُعَلّلُها نِطاسِيُّ الشّكايَا
سَقاهُ أسِنّةَ الأسَلِ الطِّوالِ
إذا وَصَفُوا لهُ داءً بثَغْرٍ
تُعَدّ لها القُبورُ منَ الحِجالِ
ولَيسَتْ كالإناثِ ولا اللّواتي
يكونُ وَداعُها نَفضَ النّعالِ
ولا مَنْ في جَنازَتِها تِجارٌ
كأنّ المَرْوَ من زِفِّ الرّئَالِ
مَشَى الأمَراءُ حَوْلَيها حُفاةً
يَضَعْنَ النِّقْسَ أمكِنَةَ الغَوالي
وأبْرَزَتِ الخُدورُ مُخَبّآتٍ
فدَمْعُ الحُزْنِ في دَمعِ الدّلالِ
أتَتْهُنّ المُصيبَةُ غافِلاتٍ
لفُضّلَتِ النّساءُ على الرّجالِ
ولوْ كانَ النّساءُ كمَنْ فَقَدْنا
ولا التّذكيرُ فَخْرٌ للهِلالِ
وما التأنيثُ لاسمِ الشّمسِ عَيبٌ
قُبَيلَ الفَقْدِ مَفْقُودَ المِثالِ
وأفجَعُ مَنْ فَقَدْنا مَن وَجَدْنا
أواخِرُنا على هامِ الأوالي
يُدَفِّنُ بَعْضُنا بَعضاً وتَمْشِي
كَحيلٌ بالجَنادِلِ والرّمالِ
وكَمْ عَيْنٍ مُقَبّلَةِ النّواحي
وبالٍ كانَ يَفكُرُ في الهُزالِ
ومُغْضٍ كانَ لا يُغْضِي لخَطبٍ
وكيفَ بمِثْلِ صَبرِكَ للجِبالِ
أسَيْفَ الدّوْلَةِ اسْتَنجِدْ بصَبرٍ
وخوْضَ الموْتِ في الحرْبِ السِّجالِ
وأنتَ تُعَلّمُ النّاسَ التّعَزّي
وحالُكَ واحدٌ في كلّ حالِ
وحالاتُ الزّمانِ عَلَيكَ شتى
على عَلَلِ الغَرائبِ والدِّخالِ
فلا غِيضَتْ بحارُكَ يا جَمُوماً
كأنّكَ مُسْتَقيمٌ في مُحالِ
رأيتُكَ في الّذينَ أرَى مُلُوكاً
فإنّ المسكَ بَعضُ دَمِ الغزالِ
فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهُمْ