RAMADAN

Friday, May 15, 2026

من كتاب مَصَاعِدُ النَّظَرِ للإشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِ السِّوَرِ1 ل إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (ت 885هـ)


الكتاب: مَصَاعِدُ النَّظَرِ للإشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِ السِّوَرِ

ويُسَمَّى: "المَقْصِدُ الأَسْمَى في مُطَابَقَةِ اسْمِ كُلِّ سُورَةٍ لِلمُسَمَّى"

المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (ت 885هـ)

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 107):

«شتم رجل ابن عباس رضي الله عنهما، فقال له رضي الله عنه، أما إنك تشتمني وفيَّ ثلاث خصال إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل فأفرح، وعلى لا أقاضي إليه أبداً وإني لأسمع بالغيث يصيب البلد من بلدان

المسلمين فأفرح، ومالي به من سائمة وإني لآتي الآية من كتاب الله، فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم.»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 176):

«لم يكونوا أهل رأي واختراع، بل كانوا أهل تمسك واتباع.»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 176إلي 183):

«وقال السخاوي ما معناه: ولو كان ذلك راجعاً إلى الرأي لعد الكوفيون

، الر" آية، كما عدوا " الم "، ولعدوا " المر" كما عدوا "المص"، ولعدوا "طس" كما عدوا "يس"، ولعدوا "كهيعص" آيتين، كما فعلوا في "حم عسق"، ولعد الشامي "إنما نحن مصلحون "، كما عد "غشاوة ولهم عذاب عظيم "، ومثل ذلك كثير، انتهى.

‌‌نفي السجع عن القرآن

ومن هنا تعلم يقيناً: أنه لا سجع في كتاب الله أصلاً، فإنه لا ريب عند من له أدق مزاولة لذلك: أن طس، أوفق عند الساجعين لمبين، من يس للحكيم. فلو كان السجع مقصوداً، لما وقع الِإجماع من العادِّين على أن

"طس" ليست بآية، وعد بعضهم "يس" آية.ولما وقعت فاصلة واحدة بين فواصل كثيرة، مخالفة لها في الوزن والروي.

فلا ينبغي الاغترار بما يوجد في بعض كتب الأماثل من المتأخرين، كالبيضاوي والتفتازاني، من تخريج بعض الفواصل على السجع، لأنه خولف فيها النظم الذي ورد في سورة أخرى، مثل: "هارون وموسى".

أو عَدَل عن عبارة إلى عبارة أخرى، لمثل ذلك، نحو قوله تعالى في سورة يس: (فما استطاعوا مُضياً ولا يَرجِعون) . قال البيضاوي: إن الأصل كان: ولا رجوعا، فغير لموافقة الفواصل.

وهذا أمر عظيم، لا تليق نسبته إلى جلال الله، فهي زلة عالم حقيقة. يشتد النفور عنها، والبعد منها.

قال الِإمام فخر الدين الرازي - فيما نقله عنه أبو حيان في "النهر" – في قوله تعالى في سورة فاطر: (ولا الظل ولا الحَرُور) إنه لا يقال في شيء مِن القرآن: إنه قدم أو أخر لأجل السجع، لأن معجزة القرآن ليست

في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى.

يعني: ومتى حُوِّل اللفظُ لأجل السجع، عما كان يتم به المعنى بدون سجع، نقص المعنى، والله أعلم.

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن ": ذهب أصحابنا - يعي الأشاعرة - كلهم إلى نفي السجع عن القرآن، وذكره أبو الحسن الأشعري (في غير موضع) من كتبه.

وذهب كثير ممن نخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس، والالتفات، وما أشبه ذلك، من الوجوه التي

تعرف بها الفصاحة.

وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون، عليهما السلام، ولمكان السجع، قيل في موضع: هارون وموسى. ولما كانت الفواصل في مواضع أخر بالواو والنون، قيل: موسى وهارون.

قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع الخطاب إلا مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه، كان دون القدر الذي نسميه شعراً، وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه.

ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع.

قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد.. قال ابن دريد: سجعت الحمامة، أي رددت صوتها، وأنشد:

طربْتَ فأبكتكَ الحمام السواجعُ

تميل بها ضَحْواً غصون نوائع

النوائع: المواثل، من قولهم: (جائع) نائع، أي متماثل ضعفاً.

وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً، لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها، لم يقع بذلك إعجاز. ولو جاز أن يقال: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز.

وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر.

وقد روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين حاوروه وكلموه في شأن الجنين:

كيف فدى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل، فقال: أسجاعة كسجاعة الجاهلية.

وفي بعضها: أسجاعه كسجع الكهان فرأى ذلك مذموماً.

والذي يقدرونه أنه سجع، فهو وَهْمٌ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه، دون بعض لأن السجع من الكلام، يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى.

وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود منه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كان إفادة السجع كإفادة غيره. ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلباً لتحسين الكلام. دون تصحيح المعنى.

ثم قال: ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن - على ما تقدرونه -. سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه، كان قبيحاً من الكلام. وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة، كما أن الشاعر إن خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه عن كونه شعراً، وقد علمنا: أن بعض ما يدعونه (شعراً) سجعٌ متقارب الفواصل، متداني المقاطع وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير. وهذا في السجع غير مرض، ولا محمود.

وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون في موضع، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع، ولتساوي مقاطع الكلام، فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه.

وهي: أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحداً، من الأمر الصعب، الذي تظهر فيه الفصاحة، وتبين فيه البلاغة.

وأعيد كثير من القصص في مواضع مختلفة، على ترتيبات متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم، عن الإتيان بمثله مبتدأ ومكرراً. ولو كان فيهم تمكن من المعارضة، لقصدوا تلك القصة، فعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها، وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما جاء به، كيف وقد قال لهم: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) .

فعلى هذا يكون القصد بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها، إظهار الِإعجاز على الطريقين جميعاً، دون السجع الذي توهموه.

هذا ما قاله في سر التكرار، وتبعه عليه كل من رأينا كلامه في هذا.

وقد بينت في كتابي "نظم الدرر" أن الأمر على غير هذا، وأن مقصد القرآن مما هو في العلو عن هذا الغرض بمراتب لا تنالها يد المتناول، ويقصر عن عليائها كل متطاول.

وذلك أن كل سورة لها مقصد معين - كما سيوضحه هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى - تكون جميع جمل تلك السورة دليلاً على ذلك المقصد.

فلذلك يقتضي الحال - ولا بد - ما أتى عليه فيها نظم المقال، ومن هنا تغايرت الألفاظ في القصص، واختلفت النظوم، وجاء الِإيجاز تارة، والإطناب أخرى والتفصيل مرة، والإِجمال أخرى.

فسورة طه لها نظر عظيم إلى الوزير، والِإرشاد إلى طلبه. ولذلك كانت سبب إسلام - عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصرح فيها على لسان موسى عليه السلام بطلب الوزير بلفظه، فلذلك كانت العناية به أكثر، فقدم في الذكر تنبيهاً على ذلك. ولذلك قيل فيها: (إنا رسولَا ربِّك) بالتثنية. وفي الشعراء بالأفراد، لأنه لا عناية فيها بذلك.

وقد بينت كل موضع ذكروه، بما أفاد أنه لا يجوز في مذاهب البلاغة. ووجوه البيان، أن يعبر عنه بذلك الأسلوب، وما أوجب القول بالتقديم والتأخير، والتحويل والتغيير، لأجل الفواصل، ألا ترى ما ذكره العلماء، أن نصف العلم هو: لا أدري. فصار كل من ورد عليه سؤال لا يعرف الجواب الحق فيه، قال برأيه، ما لم يتحقق مشيه على شواهد الكتاب والسنة، وأسرار اللغة.

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 188):

«ولا ينطبع في عقل عاقل: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يذم السجع وهو يرتكبه في القرآن والسنة، ولو كان ذلك لأسرعوا للرد عليه، وتصويب الطعن إليه، ولو ظفروا منه بما يشبه ذلك، لأكثروا به التشنيع، ولملأوا الأرض من التوبيخ والتقريع، ولأغناهم ذلك عما كانوا يتعلقون به من الذم، الذي لا يشك في أنه كذب من النسبة إلى الشعر والسحر، وقد كان صلى الله عليه وسلم أشرف همة، وأعلى مقداراً، من أن يذم شيئاً، وينحو نحوه، على ما هو معروف من أخلاقه،»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 190):

«ولقد نفي الله سبحانه (وتعالى) عن هذا القرآن العظيم، تصويب النظر إلى السجع، كما نفي عنه قرض الشعر.

فإنه قال تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون) .

فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزوناً بالقصد، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعاً، والقرآن منزه عن هذا، كما هو منزه عن ذلك، وإن وقع فيه كل الأمْرَيْن، فغير مقصود إليه، ولا معول عليه، بل لكون المعنى انتظم به على أتم الوجوه، فأتى به لذلك، لا لأجل السجع، ثم يبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن، بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ، لتمام المعاني المرادة عندها.»

فيعلم قطعاً: أن ذلك غير مقصود أصلًا، لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل الساجعين، بل يراه عجزاً، وضيقاً عن تكميل المشاكلة ونقصاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 191):

وإذا تاملت الفواصل في الإتيان بها تارة متناظرة - (تارة) بكثرة وأخرى بقلة - وتارة منفكة عن التناظر بالكلية، بل يؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى، لا روياً، ولا وزناً، كالكافرون " علمت أن هذا المذاهب

هو الصواب ولا سيما آخر سورة اقرأ. وإذا تبحرت في علم العدد، أتقنت الدليل على ذلك والمستند.

فإياك أن تجنح إلى موافقة من قال بمراعاة السجع في موضع من آيات الكتاب فتكون قد أبعدت عن الصواب، ويتوب الله على من تاب.

وهذا كله لا ينفي أن يكون في السجع والشعر ما هو حسن جداً وبليغ، وعليه ينطبق قوله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه البخاري، وأبو داود، وابن ماجة عن أبي بن كعب رضي الله عنه. والبزار عن عائشة رضي الله عنها: إن من الشعر حكمة".

وكذا ما رواه الدارقطني من وجه ضعيف، عن عاثشة رضي الله عنها أنه ذُكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعرُ فقال: هو كلام فحسنه كحسنه وقبحه كقبيحه. ورواه الشافعي عن عروة (عنها) مرسلاً.

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 334/335):

«كيف تحزبون القرآن؟

قالوا ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشر وثلاث عشر، وحزب المفصل وحْدَه.

وقال أبو عبيد: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور.

وإحدى عشرة سورة، وحزب المفصل ما بين (ق) فأسفل.»

فهذا الذي من هذه الأعداد الوترية - من ثلاث، إلى ثلاثَ عشرة -ثمانٍ وأربعون، وهي من أول البقرة، إلى آخر الحجرات. فإذا أضفت إلى ذلك الفاتحة مع ثمان أخرى، ليكون سبعاً وخمسين سورة - وهو النصف من

عدد السورة القرآنية - كان ذلك إلى آخر سورة الحديد. وهو أربع وخمسون حزباً، وهي تسعة أعشار القرآن.

ومن أول الواقعة إلى آخره عشر، وهو ستة أحزاب. وذلك سبع وخمسون سورة، نصف عدد السور.

فينتظم من ذلك لغز، وهو: شيء يكون عشره مثل تسعة أعشاره سواء من غير زيادة.

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 340):

«وروى ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن، أنه نام ليلة عن حزبه

فأرى في المنام كان قائلاً يقول:

عجبت من جسم ومن صحة. . . ومن فتى نام إلى الفجر

والموت لا تؤمن خطفاته. . . في ظلم الليل إذا يسري.»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (1/ 343):

«قال المنذري: من سورة المُلْك إلى آخر القرآن، ألف آية، والله أعلم.»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (2/5/9/10):

«‌‌سورة البقرة»

‌‌مقصودها

والمقصود من هذه السورة: إقامة الدليل على أن الكتاب هدى ليُتَّبَع في كل حال، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب، ومجمعه: الِإيمان بالآخرة، ومداره: الإيمان بالبعث، الذي أعربت عنه قصة البقرة، التي

مدارها الِإيمان بالغيب، فلذلك سميت بها السورة، وكانت بذلك أحق من قصة إبراهيم عليه السلام، لأنها في نوع البشر، ومما تقدم في قصة بني إسرائيل من الِإحياء بعد الِإماتة بالصعق، وكذا ما شاكلها. لأن الإِحياء في

قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر، بمباشرة من كان من آحاد الناس.

فهي أدل على القدرة، ولا سيما وقد اتْبعتْ بوصف القلوب والحجارة، بما عم المهتدين بالكتاب والضالين، فوصفها بالقسوة الموجبة للشقوة، ووصف الحجارة بالخشية الناشئة في الجملة عن التقوى المانحة للمدد المتعدي نفعه إلى عباد الله.

وفيها إشارة إلى أن هذا الكتاب فينا كما لو كان فينا خليفة من أولي العزم من الرسل عليهم السلام يرشدنا في كل أمر يحزبنا، وشأن ينوبنا، إلى صواب المخرج منه، فمن أعرض خاب، ومن تردد كاد، ومن أجاب أتقى

وأجاد.

وسميت بالزهراء: لا يجابها إسفار الوجوه في يوم الجزاء لمن آمن بالغيب ولم يكن في شك مريب، فيحال بينه وبين ما يشتهي. ولأنها سورة الكتاب الذي هو هادٍ، والهادي يلازمه النور الحسي المدرك بالبصر، أو

المعنوي المدرك بالبصيرة. وبالسنَام: لأنه ليس في الِإيمان بالغيب - بعد التوحيد الذي هو الأساس الذي ينبني عليه كل خبير، والتاج الذي هو نهاية السير. والعالي على كل غير أعلى ولا أجمع من الِإيمان بالآخرة.

ولأن السنام أعلى ما في الطية الحاملة، والكتاب الذي هي سورته، هو أعلى ما في الحامل للأمة في مسيرهم إلى دار القرار، وهو الشرع الذي أتاهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم.

وبهذا علم - أيضاً - سر التسمية بالذروة وبالفسطاط، والفسطاط: هو الخيمة، والمدينة، والجماعة، ولا شك أن الكتاب من الدين بتلك المنزلة. ولا سيما وفي سورته الدعائم الخمس الخطيرة، وهو: الجهاد، وغير ذلك.

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (2/67/68/ 64):

«‌‌سورة آل عمران»

‌‌مقصودها

ومقصودها: التوحيد. وذلك أن الفاتحة - وهي أم القرآن - لما كانت جامعة للدِّين إجمالاً جاء

ما به التفصيل، وهو القرآن، الذي هي أمه، محاذياً لذلك، فابتدأ بسورة الكتاب، المحيط بأمر الدين، كما أن الفاتحة محيطة بأم القرآن، ثم بسورة التوحيد، الذي هو سر حرف الحمد، أول حروف الفاتحة السبعة، لأن

التوحيد هو الأساس الذي لا يقوم بناء شيء من الدين بدونه، كما أن الفاتحة أس القرآن.

وأيضاً: فلما ثبت بالبقرة أم الكتاب، في أنه هدى، وقامت به دعائم الِإسلام الخمس، جاءت هذه لإِثبات أمر الدعوة الجامعة، في قوله تعالى:

(يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ، فأثبت الوحدانية له سبحانه بإبطال إلهية غيره بإثبات أن عيسى عليه السلام الذي كان يحيي الموتى - عبده، فغيره بطريق الأولى.

وعلم أن الذي أقدره على إحياء الموتى، تارة بالنفخ، وتارة بغيره، هو الذي أقدر أحاد بني إسرائيل - على عهد موسى عليه السلام على إحياء ذلك القتيل، بضربه بلحم تلك البقرة، التي أمرهم موسى عليه السلام

بذبحها وسميت بها السورة إشارة إلى ما تقدم من التطبيق بين اسمها ومسماها. فلما ثبت بهذا: أن الكل عبيده سبحانه، جاءت سورة النساء داعية إلى إقبالهم إليه، واجتماعهم عليه.

والدليل على أن المقصود من هذه السورة، الدلالة على التوحيد:

تسميتها بآل عمران، فإنه لم يعرب عن هذا القصد في هذه السورة، ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه فيها من أخبارهم، بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد، الذي ليس في درج الِإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن التوحيد خاصته المعقولة.

والتوحيد موجب لزهادة المتحلي بهذه السورة. فلذلك سميت الزهراء، وهو في نفسه ملزوم للأنوار الزاهرة، والأضواء الباهرة كلها، التي هي الأدلة الحقة للدين الحق، فلا يمكن رؤيتها على الحقيقة بدون تصحيحه. والله تعالى الهادى".

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (2/ 73):

«ولأحمد عن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول، اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلوب لتتقلب؟.

قال: نعم، ما خلق الله من بشر من بنى آدم، إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء الله أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.

قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟.

قال: بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مُضِلات الفتن ما أحييتني. قال الهيثمي: وروى الترمذي بعضه، ورواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق.»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (2/ 93/94):

«وفي جامع الأصول - غير معزو - عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: خمس آيات ما يسرني أن لي بهن الدنيا وما فيها،

إحداهن: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)

و (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) .

و (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) .

و (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .

و (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) .»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (2/ 100):

«وروى الطبراني عن إبراهيم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: إن في القرآن لَآيتَيْن، ما أذنب عبد ذنباً، ثم تلاهما واستغفر الله، إلا غفر له فسألوه عنهما، فلم يخبرهم، فقال علقمة والأسود أحدهما لصاحبه: قم بنا، وقاما إلى المنزل، فأخذا المصحف، فتصفحا سورة البقرة، فقالا: ما رأيناهما، ثم أخذا في سورة النساء، حتى انتهيا إلى هذه الآية: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) .

فقالا: هذه واحدة، ثم تصفحا آل عمران، حتى انتهيا إلى قوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) .

قالا: هذه أخرى، ثم أطبقا المصحف، ثم أتيا عبد الله فقالا: هما هاتان الآيتان؟ ، قال: قال: نعم.

قال الهيثمي: وإسناده جيد، إلا أن إبراهيم لم يدرك ابن مسعود.

ورواه أبو عبيد في الفضائل من وجه آخر، ولفظه: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: في القرآن آيتان، ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا غفر له قال: فسمع بذلك رجلان من أهل البصرة، فأتياه، فقال: أئتيا

أبي بن كعب فإني لم أسمع فيهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد سمعه أبي، فأتيا أبي بن كعب فقال لهما: اقرأا القرآن، فإنكما ستجدانهما، فقرأا حتى إذا بلغا آل عمران (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) .

وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) .

فقالا: قد وجدناهما، فقال أبي: أين؟. فقالا: في آل عمران والنساء. فقال: هما هما.»

 

«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» (2/ 101):

«وروى أبو نعيم في الحلية، في ترجمة حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قائماً يصلي، فلما بلِغ الآية من النساء، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: سل تعطه، فقال: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى الخلد. والآية تنتهي إلى قوله: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) .»

 

 

 

 

 

 

 

 

  

No comments: