RAMADAN

Monday, October 14, 2024

من شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 2

 

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي (ت ١١٢٢هـ)


يوم مؤتة وأمور أخرى

وخرج" صلى الله عليه وسلم "مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع" بفتح الواو. سميت بذلك لتوديع المصطفى هذه السرية عندها، أو لأن المسافر كان يودع عندها قديما، وصححه عياض "فوقف وودعهم" وهذا أصل في الخروج مع المسافر إلى خارج البلد.

وروى الواقدي عن زيد بن أرقم رفعه: "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا فانيا ولا منعزلا بصومعة ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء"

 

وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، ودع الناس الأمراء فلما ودع ابن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، قال: "فلما ساروا نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة":

"لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا"

أو طعنة بيدي حران مجهزة … بحربة تنقذ الحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي … يا أرشد الله من غاز وقد رشدا

وذات فرغ بفتح الفاء وسكون الراء وغين معجمة، أي واسعة يسيل دمها كما في العيون، والزبد فتح الزاي والموحدة وبمهملة رغوة الدم.

قال ابن إسحاق وأتى ابن رواحة رسول الله فودعه، ثم قال:

فثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصر كالذي نصروا

إني تفرست فيك الخير نافلة … فراسة خالفت فيك الذي نظروا

أنت الرسول فمن يحرم نوافله … والوجه منه فقد أزرى به القدر

وروى غيره أنه صلى الله عليه وسلم قال له: قل شعرا تقتضبه اقتضابا وأنا أنظر إليك من غير روية، فقال: إني تفرست الأبيات حتى انتهى إلى قوله: فثبت الله. قال صلى الله عليه وسلم: "وأنت فثبتك الله يابن رواحة"

يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة وباردا شرابها

والروم روم قد دنا عذابها … كافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيتها ضرابها

"قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل" قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني أحد بني مرة بن عوف، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه … لتنزلن أو لتكرهنه

أن أجلب الناس وشدوا الرنه … ما لي أراك تكرهين الجنه

قد طالما قد كنت مطمئنه … هل أنت إلا نطفة في شنه

وقال:

يا نفس ألا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت قد أعطيتي … أن تفعلي فعلهما هديت

يريد صاحبيه زيدا وجعفرا

 

كعب بن زهير خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فوضع يده فى يده- وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يعرفه- فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (نعم) قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار وقال: يا رسول الله دعنى وعدو الله أضرب عنقه. فقال صلى الله عليه وسلم-: «دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا» «1» . قال: فغضب كعب على هذا الحى من الأنصار لما صنع صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. ثم قال قصيدته اللامية التى أولها:

 بانت سعاد فقلبى اليوم متبول … متيم إثرها لم يفد مكبول

ومر الناظم في غرضه من الغزل في سعاد، ثم في وصف الإبل الموصلة إليها، وقطعها للأراضي الصعبة في ثلاثة وثلاثين بيتا، ثم ذكر الأرجاف به وبعد أصدقائه عنه في قوله

 

تمشي الوشاة بجنبيها وقولهم … إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول

وقال: كل صديق كنت آمله … لا ألهينك أنى عنك مشغول

فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم … فكل ما قدر الرحمن مفعول

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول

 ومنها:

 أنبئت أن رسول الله أوعدنى … والعفو عند رسول الله مأمول

 مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال … قرآن ولو كثرت فى الأقاويل

وبعده هذا البيت تسعة أبيات في خوفه منه عليه السلام، وأنه أخوف عنده من ضيغم يفترس وتنفر منه الوحوش، وحاصلها الاعتذار، فأسقطها المصنف؛ لأن غرضه إنما تعلق بمدحه صلى الله عليه وسلم صريحا

إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول

 فى عصبة من قريش قال قائلهم … ببطن مكة لما أسلموا زولوا

 يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم … ضرب إذا عرد السود التنابيل

وفى رواية أبى بكر بن الأنبارى أنه لما وصل إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول رمى- عليه الصلاة والسلام- إليه بردة كانت عليه. وأن معاوية بذل فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحدا، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم

قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: «إذا عرد السود التنابيل» وإنما عنى معشر الأنصار، لما كان صاحبهم صنع به، وخص المهاجرين بمدحته فغضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم- يمدح الأنصار- قصيدته التى يقول فيها:

من سره كرم الحياة فلا يزل … فى مقنب من صالحى الأنصار

ورثوا المكارم كابرا عن كابر … إن الخيارهم بنو الأخيار

المكرهين السمهرى بأدرع … كسوالف الهندى غير قصار

والناظرين بأعين محمرة … كالجمر غير كليلة الأبصار

والبائعين نفوسهم لنبيهم … للموت يوم تعانق وكرار

قوم إذا خوت النجوم فإنهم … للطارقين النازلين مقارى

وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء، وأبوه وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة

 

قال ابن عبد البر من جيد شعر كعب:

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني … سعي الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها … فالنفس واجدة والهم منتشر

والمرء ما عاش ممدود له أمل … لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر

 

قال السهيلي: ومن جيده قوله يمدحه صلى الله عليه وسلم:

تخدي به الناقة الأدماء معتجرا … بالبرد كالبدر جلي ليلة الظلم

ففي عطافيه أو أثناء بردته … ما يعلم الله من دين ومن كرم

 

اتفق أهل الأدب على أن أصدق بيت قالته العرب قول أبي إياس الدؤلي:

فما حملت من ناقة فوق رحلها … أبر وأوفى ذمة من محمد

 

فأصبح صلى الله عليه وسلم عروسا" بوزن فعول نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما دام في تعريسهما أياما، وجمعه عرس بضمتين، وجمعها عرائس، كما قاله الخليل وغيره.

قال العيني: وقول العوام للذكر عريس، والأنثى عروسة لا أصل له لغة، "فقال

"جملة من عقد عليهن ثلاثا وعشرين امرأة، دخل ببعضهن دون بعض، ومات منهن عنده بعد الدخول: خديجة وزينب بنت خزيمة" أم المساكين، "ومات منهن قبل الدخول اثنتان: أخت دحية و" خولة "بنت الهذيل باتفاق، واختلف في ملكية وسنى هل ماتتا أو طلقهما، مع الاتفاق على أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بهما، وفارق بعد الدخول باتفاق" ممن قال أنه تزوج فاطمة "بنت الضحاك" فلا يشكل بقول الذهبي، يقال إنه تزوجها، وليس بشيء إن سلم له ذلك، وإلا فالمنازعة إنما هي في كونها اختارت الدنيا، لا في أنه تزوجها وطلقها، "وبنت ظبيان" أي باتفاق من قال إنه بنى بها، وإلا فقد قيل لم يدخل بها كما مر، "وقبله باتفاق عمره" الجونية، "وأسماء" بنت النعمان الجونية، "والغفارية" ومن هنا علم أن المراد بعدم الدخول عدم الوطء، لا مجرد الخلوة وإرخاء الستر؛ لأن من هؤلاء من اختلى بها، ثم فارقها بلا وطء.

"واختلف في أم شريك هل دخل بها؟ مع الاتفاق على الفرقة والمستقيلة التي جهل حالها، فالمفارقات باتفاق سبع، واثنتان على خلف، والمتات في حياته باتفاق أربع، ومات صلى الله عليه وسلم عن عشر" التسع المشهورة و"واحدة لم يدخل بها" هي أخت الأشعث قتيلة بنت  قيس، وهذا كله ذكره المصنف زيادة إيضاح، "

 

 

وكتب- صلى الله عليه وسلم- إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية واسمه جريح بن مينا  .

(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم القبط، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «3» .

وبعث به مع حاطب بن أبى بلتعة، فتوجه إليه إلى مصر، فوجده بالإسكندرية، فذهب إليها، فرآه فى مجلس مشرف على البحر، فركب سفينة إليه وحاذى مجلسه وأشار بالكتاب إليه، فلما رآه أمر بإحضاره بين يديه، فلما جىء به إليه، ووقف بين يديه، ونظر إلى الكتاب فضه وقرأه، وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعو على فيسلط على؟ فقال له حاطب:

وما منع عيسى أن يدعو على من خالفه أن يسلط عليه؟ فاستعاد منه الكلام مرتين ثم سكت، فقال له حاطب: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك

 

من أذن لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان منهم من يرجع الأذان ويثنى الإقامة، وبلال لا يرجع ويفرد الإقامة، فأخذ الشافعى بإقامة بلال، وأهل مكة أخذوا بأذان أبى محذورة وإقامة بلال. وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبى محذورة، وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك فى موضعين: إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة

وكان منهم" أي: بعضهم، وهي فائدة الاستطرادية، أو نشأت عن سؤال هو معلوم اختلاف المذاهب في الأذان والإقامة، فما كان يفعله مؤذنوا المصطفى الذين ذكرتهم، فأجاب بأنه كان منهم "من يرجِّع الأذان، ويثنِّي الإقامة"، وهو أبو محذورة، "وبلال لا يرجِّع، ويفرد الإقامة"، أي: كلماتها إلا لفظ قد قامت الصلاة، بدليل قوله: "فأخذ الشافعي بإقامة بلال"؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- سمعه وأقرَّه، فليس استدلالًا بفعل الصحابي، والشافعي لا يقول به لا بأذانه بل بأذان أبي محذورة، "وأهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة" وهو ترجيع الأذان وتثنية الإقامة، "وإقامة بلال"، وهذا تطويل بلا طائل، فلو قال: وأخذ الشافعي وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة بلال لدفع ما يوهمه لفظه، "وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة"، فقالوا: بترجيع الأذان وتثنية الإقامة، "وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير"، أي: تربيعه، فقال: بعدمها "وتثنية لفظ الإقامة"، فقال بإفرادها عملًا بقوله -صلى الله عليه وسلم: "الأذان والإقامة واحدة"، رواه ابن حبان.

وروى الدارقطني وحسَّنه في حديث لأبي محذورة، وأمر أن يقيم واحدة واحدة، ثم المصنف في عهدة أنه خالف أهل المدينة، كما زعمه كابن القيم، فمالك بعملهم أدرى، ونصب الجدل يطول، وقد علم مما قررته أن إعادة بدل من موضعين بيان للمفعول في خالفهم، فهو بيان للمخالف اسم مفعول لا اسم فاعل، لأن الأولى بالذكر من القولين ما نسب لمن خالفه من جعل فاعلًا

 

الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق فى مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء

عن زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين -يوم هوازن، وذهب يفرّق السبي والشاء، أتيته فأنشأت أقول:

امنن علينا رسول الله في كرم … فإنك المرء نرجوه وندخر

امنن على بيضة قد عاقها قدر … مشت شملها في دهرها غير

أبقت لنا الدهر هتافًا على حزن … على قلوبهم الغماء والغمر

إن لم تداركهم نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلمًا حين تختبر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذا فوك يملؤه من مخضها الدرر

إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتي وما تذر

لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فإنا معشر زهر

إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمهاتك إن العفو مشتهر

يا خير من مرحت كُمْت الجياد به … عند الهياج إذا ما استوقد الشرر

إنا نؤمل عفوًا منك تلبسه … هادي البرية إذ تعفو وتنتصر

فاعفوا عفا الله عمّا أنت راهبه … يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر

 

(بأبي و أمي أنت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم)

Monday, August 26, 2024

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية1

 

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي (ت ١١٢٢هـ)

"بسم الله الرحمن الرحيم"

الحمد لله الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس، ورفع منابر تشريفنا على منابر صفحات الدهور ثابتة الأساس، ووضع عنا الإصر والأغلال، ومنعنا الاجتماع على الضلال، وقدمنا تقديم البسملة في القرطاس، فنحن الآخرون السابقون تبجيلًا وتكريمًا لمن أرسله فينا رؤوفًا رحيمًا، فأقام دعائم الدين بعد طول تناس؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، تعالى عما يقول الظالمون الأرجاس، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده وسوله، وحبيبه وخليله، الأمين المأمون الطيب الأنفاس، ألا وهو أجل من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهره نظم أو وصف، زكي المنابت، طيب الأغراس، أضاءت قبل كونه وإرهاصاته المقباس، وأزهرت في حمله وولادته ورضاعه زهراءي، اقتبس منها النبراس، وأشرقت أعلام نبوته، ولمعت لوامع براهين رسالته، فشيدت منار الهدى بعدما كان في إبلاس، وبهر بالآيات البينات، فشق له البدر في دجى الأغلاس، وغلب بمعجزات بدروها في التمام، وجواهرها تروق في الترصيع والانتظام، ورياضها تتأرج بنسمات سماته، وتنشق عن نور زهر شمائله، ونور زهر صفاته التي كل عن إحصاء راموزها المقياس؛ صلى الله وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين الأكياس، الناهضين بأعباء المناقب، في علياء المناصب، البالغين في نصر الدين، النجوم الثواقب، الهادين من الكفر الجبال الرواس، حتى نسفوها نسفًا، وحكموا بالعدل وأقاموا القسطاس

أما بعد: فهذا الكتاب لم يطلبه مني طالب، ولا رغب إلي من تصنيفه راغب، وإنما تطلبت نفسي فيه مزج المواهب، فأودعته نفائس بها يتنافس في شرح السنة النبوية، وعرائس استجليتها من مخدرات خدور السيرة المحمدية، وجواهر استخرجتها من قاموس الحكم المصطفوية، وزواهر اقتبستها من أرقعة السيرة الهاشمية، وزهور اجتثيتها من جنات وجنات الروضة المدنية، يبهر من عقد نظامها الناظر، وينادي من أي هذا القاصر، فيجيبه حال اللسان الوهاب، قوي قادر، أما العيوب وإن كثرت، فما لا سبيل إلى السلامة منها لغير المعصوم، وقد قال:

من ذا الذي ما ساء قط … ومن له الحسنى فقط

وقد قال ابن عبدوس النيسابوري: لا أعلم في الدنيا كتابًا سلم إلى مؤلفه ولم يتبعه من يليه، فكيف وفهمي فاتر، ونظري قاصر، ووجودي في الزمان الآخر مع ما أقاسيه من تلاطم أمواج الهموم وأقلامه من ترادف جيوش الغموم، لكني أنتظر الفرج من الحي القيوم، مستعيذًا به من حسود ظلوم، والله أسال العون على إتمامه، والتوفيق من امتنانه وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

أنشد أبو عمرو:

أيا سائلي تفسير ميت وميت … فدونك قد فسرت إن كنت تعقلي

فمن كان ذا روح فذلك ميت … وما الميت إلا من إلى القبر يحمل

 

قال صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث" بفاء مثلثة "في روعي" أي: ألقى الوحي في خلدي وبالي أو في نفسي أو قلبي أو عقلي من غير أن أسمعه ولا أراه، ومفعول نفث قوله: "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها" الذي كتبه لها الملك وهي في بطن أمها، فلا وجه للوله والكد والتعب والحرص فإنه سبحانه قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص، بحسب علمه القديم الأزلي، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] فلا يعارض هذا ما ورد الصبحة تمنع الرزق، والكذب ينقص الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وغير ذلك مما في معناه، أو أن الذي يمنعه وينقصه هو الحلال أو البركة فيه لا أصل الرزق، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم: "إن نفسا لن تمون حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها".

وفي حديث جابر عند ابن ماجه: "أيها النس، اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله". رواه البيهقي وغيره وقال عليه السلام: "والذي بعثني بالحق إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله". رواه العسكري. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغ آخر الرزق، فأجملوا في الطلب". رواه البيهقي وغيره.

"فاتقوا الله" أي: ثقوا بضمانه لكنه أمرنا تعبدًا بطلبه من حله، فقال: "وأجملوا في الطلب" بأن تطلبوه بالطرق الجميلة المحللة بلا كد ولا حرص ولا تهافت على الحرام والشبهات، أو غير منكبين عليه مشتغلين عن الخالق الرازق به، أو بأن تعينوا وقتًا ولا قدرًا؛ لأنه تحكم على الله أو ما فيه رضا الله لا حظوظ الدنيا، أو لا تستعجلوا الإجابة  "الحديث"، بقيته: "ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته". "رواه" بتمامه "ابن أبي الدنيا" عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس الأموي في القناعة، وصححه الحاكم

 

حمدت الله حين هدى فؤادي … إلى الإسلام والدين الحنيف

لدين جاء من رب عزيز … خبير بالعباد بهم لطيف

إذا تليت رسائله علينا … تحدر دمع ذي اللب الحصيف

رسائل جاء أحمد من هداها … بآيات مبينة الحروف

وأحمد مصطفى فينا مطاع … فلا تغشوه بالقول العنيف

فلا والله نسلمه لقوم … ولما نقض فيهم بالسيوف

ونترك منهم قتلى بقاع … عليها الطير كالورد العكوف

وقد خبرت ما صنعت ثقيف … به فجزى القبائل من ثقيف

إله الناس شر جزاء قوم … ولا أسقاهمو صوب الخريف

 

قال الزهري: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم السور من القرآن، رواهما الخطيب وابن عساكر. وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها

في الجبن عار وفي الأقدام مكرمة … والمرء بالجبن لا ينجو من القدر

 

فخرج النبى- صلى الله عليه وسلم- فتبعته ابنة حمزة تنادى: يا عم يا عم، فتناولها على فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها على وزيد وجعفر، قال على: أنا أخذتها وهى بنت عمى. وقال جعفر: ابنة عمى وخالتها تحتى، وقال زيد ابنة أخى فقضى بها النبى- صلى الله عليه وسلم- لخالتها وقال:«الخالة بمنزلة الأم»  الحديث.

وإنما أقرهم النبى- صلى الله عليه وسلم- على أخذها مع اشتراط المشركين ألايخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها

وقوله: «الخالة بمنزلة الأم» أى فى هذا الحكم الخاص، لأنها تقرب منها فى الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه أن الخالة فى الحضانة مقدمة على العمة، لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهى مقدمة على غيرها. ويؤخذ منها تقديم أقارب الأم على أقارب الأب انتهى

وعن أحمد رواية أن العمة مقدمة في الحضانة على الخالة، وأجيب له عن هذه القصة بأن العمة لم تطلب فإن قيل: والخالة لم تطلب. قيل: قد طلب لها زوجها، فكما أن لقريب المحضون أن يمنع الحاضنة إذا تزوجت فللزوج أيضا، أن يمنعها من أخذه فإذا وقع الرضا سقط الحرج

لكن الحق في هذه الصورة عند مالك كان للعمة لأن من شرط عدم سقوط الحضانة بالتزويج أن لا يكون هناك حاضنة خلية من الزوج، عن هذه القصة بأنها لما لم تطلب، لم يكلفها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خصوصا وقد علمت بقدومها إذ الاختصام كان بالمدينة كما مر فلا يقال: لو كان الحق لها لأرسل لها، وإن لم تطلب


المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 1 المؤلف: أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين (ت ٩٢٣هـ)

إنه ليس بنادر فى هذا العصر الحاضر أن يجرؤ بعض الناس فيتحدث عن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-، وعن خطئه- معاذ الله- فى الرأى، وعن إصابته فيه، ويسير هذا البعض فى حديثه أو فى كتابته مستنتجا ومستنبطا وحاكما، وينسى فى كل ذلك:

وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «1» ، وينسى فى كل ذلك:

يُوحى إِلَيَّ، وينسى: «لست كهيئتكم» ، وينسى:

لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً .

وينسى أن بعض المسائل يمكن أن تكون لها حلول مختلفة، كلها صحيحة: بعضها رفيق رحيم، وبعضها عادل حاسم، وأن الله سبحانه وتعالى قد بيّن للأمة الإسلامية أن رسوله- صلوات الله وسلامه عليه- وهو على صواب دائما- إنما يتخذ الحل الذى يتناسب مع ما حلاه الله به من الرأفة، وما فطره عليه سبحانه من الرحمة، وهو الحل الذى يتناسب مع طابع الرسالة الإسلامية العام:

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ 


قصيدة حسان بن ثابت في أمنا عائشة رضي الله عنها







بســـــ الله الرحمن الرحيم ــــم



حصان رزان


قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي قاله في شأن عائشة - رضي الله عنها-


حصان رزان ما تزن بريبة......... ....... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
ِ
حليلة خير الناس دينا ومنصبا............ نبي الهدى والمكرمات الفواضل ِ

عقيلة حي ٍ من لؤي ٍ بن غالب.............. فِرام المساعي مجدها غير زائل ِ

مهذبة قد طيب الله خيمها .................... وقاها من كل سوءٍ و باطل

فان كنت قد قلت الذي قد زعمته...................... فلا رفعت صوتي إلي اناملي

وان الذي قد قيل ليس بلائط................. بها الدهر بل قول امرءٍ بيماحل

فكيف وودي ما حييت ونصرة ٍ.................. لآل نبي الله زين المحافل

له رتب عال على الناس كلهم................. تقاصر عنه سَورةُ المتطاول

رأيتك وليغفر لك الله حرة..................... من المحصنات غير ذات موائل

حصان رزان ما تزن بريبة.................... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل.

شرح المفردات :-

حصان رزان : العفيفة ذات الثبات والوقار .

تزن : تتهم .

غرثى : جائعة .

الغوافل : مفردها غافلة وهي التي لا ترتع في اعراض الناس .

الخيم : الاصل .

العقيلة : السيدة الكريمة .

لائط : لازم .

الماحل : من مُحلَ به الى السلطان وقيل انه قال شيء لم يقله وافتُرِيَ عليه .

الرتب : ما شرف من الارض واستعاره المجد والشرف .

الغوائل: جمع غائلة وهو الشر والفساد.


ظروف النص

مناسبة هذه القصيدة ذلك أن حسان رضي الله عنه قد زل لسانه في حادثة اتهام أم المؤمنين الفقيهة الشاعرة العالمة العفيفة الصبورة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وقد تاب وندم وعفي عنه بعد أن برء الله أمنا رضي الله عنها بقوله تعالى : " الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات..... اؤلائك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " , وكان في آخر عمرها يدخل عليها وينشد هذه القصيدة بين يديها , وهي من ابلغ قصائد التاريخ ومعانيها رائعة جميلة غاية في البلاغة وإنها لمن جوامع الكلام , وانك والله لتذرف عينك عند تتأمل معانيها , حينما يذم شاعرنا المبجل نفسه وترى اثر الندامة تتخلخل من بين كلماتها البراقة والتوبة الصادقة من مفرداتها .

وقول حسان في عائشة :

" حصان رزان ما تزن بريبة -- وتصبح غرثى من لحوم الغوافل"

حصان فعال بفتح الحاء يكثر في أوصاف المؤنث وفي الأعلام منها ، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى ، أي المسمى بهذه الصفات خفيف على النفس وحصان من الحصن والتحصن وهو الامتناع على الرجال من نظرهم إليها ، :

وقوله

" وتصبح غرثى من لحوم الغوافل"

أي خميصة البطن من لحوم الناس أي اغتيابهم وضرب الغرث مثلا ، وهو عدم الطعم وخلو الجوف وفي التنزيل "ً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ " الحجرات12, ضرب المثل لأخذه في العرض بأكل اللحم لأن اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه من ستر. وقال ميتا ، لأن الميت لا يحس ، وكذلك الغائب لا يسمع ما يقول فيه المغتاب ثم هو في التحريم كأكل لحم الميت . وقوله من لحوم الغوافل يريد العفائف الغافلة قلوبهن عن الشر كما قال سبحانه " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَات "النور23 ، جعلهن غافلات لأن الذي رمين به من الشر لم يهممن به قط ولا خطر على قلوبهن فهن في غفلة عنه وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف .

وقوله

" له رتب عال على الناس كلهم "

الرتب ما ارتفع من الأرض وعلا ، والرتب أيضا : قوة في الشيء وغلظ فيه والسورة رتبة رفيعة من الشرف مأخوذة اللفظ من سور البناء .

وقوله
" فإن الذي قد قيل ليس بلائط"

أي بلاصق يقال ما يليط ذلك بفلان أي ما يلصق به ومنه سمي الربا : لياطا ، لأنه ألصق بالبيع وليس ببيع. وفي الكتاب الذي كتب لثقيف وما كان من دين ليس فيه رهن فإنه لياط مبرأ من الله .

وقوله في الشعر

" فلا رفعت سوطي إلي أناملي"

دعاء على نفسه وفيه تصديق لمن قال إن حسان لم يجلد في الإفك ولا خاض فيه وأنشدوا البيت الذي ذكره ابن إسحاق :

لقد ذاق حسان الذي كان أهله

على خلاف هذا اللفظ

لقد ذاق عبد الله ما كان أهله

وحمنة إذ قالوا : هجيرا ومسطح

مقتطفات من كتاب التحرير والتنوير لأبن عاشور 3

 

سورة البقرة

عَنِ «الْمُسْتَدْرك» أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا سَنَامُ الْقُرْآنِ»

وَسَنَامُ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ وَهَذَا لَيْسَ عَلَمًا لَهَا وَلَكِنَّهُ وَصْفُ تَشْرِيفٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ إِنَّهَا فُسْطَاطُ الْقُرْآنِ وَالْفُسْطَاطُ مَا يُحِيطُ بِالْمَكَانِ لِإِحَاطَتِهَا بِأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.


وَلَا شَكَّ أَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِيهَا فَرْضُ الصِّيَامِ، وَالصِّيَامُ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، فُرِضَ فِيهَا صَوْمُ عَاشُورَاءَ ثُمَّ فُرِضَ صِيَامُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ سَبْعَ رَمَضَانَاتٍ أَوَّلُهَا رَمَضَانُ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي مِنَ الْهِجْرَةِ، فَتَكُونُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ فِي أَوَاخِرِهَا أَوْ فِي الثَّانِيَةِ.

=

إِلَّا أَنَّ اشْتِمَالَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى أَحْكَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَعَلَى أَحْكَامِ الْقِتَالِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ والبلد الْحَرَام ينبىء بِأَنَّهَا اسْتَمَرَّ نُزُولُهَا إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَسَنَةِ سِتٍّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ آيَةِ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [الْبَقَرَة: 196]

=

وَقَدْ يَكُونُ مُمْتَدًّا إِلَى مَا بَعْدَ سَنَةِ ثَمَانٍ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ- الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ- لِمَنِ اتَّقى [الْبَقَرَة: 197- 203] . عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [الْبَقَرَة: 281] الْآيَةَ هُوَ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ نُزُولُ السُّورَةِ فَتَنْزِلُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ نُزُولِهَا سُوَرٌ أُخْرَى.

وَقَدْ عُدَّتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ السَّابِعَةَ وَالثَّمَانِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ وَقَبْلَ آلِ عِمْرَانَ.

=

وَفِي «الْمُوَطَّأِ» قَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا

=

وَنَظَّرُوهُ بِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَتَكَلَّمُ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ بَدَلًا مِنْ كَلِمَاتٍ تَتَأَلَّفُ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ نَظْمًا وَنَثْرًا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

بِالْخَيْرِ خَيِّرَاتٌ وَإِنْ شَرٌّ فَا ... وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تَا

أَرَادَ وَإِنْ شَرٌّ فَشَرٍّ وَأَرَادَ إِلَّا أَنْ تَشَا، فَأَتَى بِحَرْفٍ مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ. وَقَالَ الْآخَرُ (قُرْطُبِيٌّ) :

نَادَاهُمْ أَلَا الْجِمُوا أَلَا تَا ... قَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ أَلَا فَا

 

أَرَادَ بِالْحَرْفِ الْأَوَّلِ أَلَا تَرْكَبُونَ، وَبِالثَّانِي أَلَا فَارْكَبُوا. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَامِلُ عُثْمَانَ يُخَاطِبُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ:

قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافْ ... لَا تَحْسِبَنِّي قَدْ نَسِيتُ الْإِيجَافْ (1)

أَرَادَ قَالَتْ وَقَفْتُ.

وَلَسْتُ أُرِيدُ بِذَلِكَ تَصْحِيحَ حَمْلِ حُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ تَخْرِيجُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ مَعَ التَّوْرِيَةِ بِجَعْلِ مَرَّ مِنَ الْمُرُورِ.

=

وَالْعِرَاقُ مَهْدُ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَقَدْ أَثْبَتَ التَّارِيخُ أَنَّ ضَخْمَ بْنَ إِرَمَ أَوَّلُ مَنْ عَلَّمَ الْعَرَبَ الْكِتَابَةَ وَوَضَعَ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ التِّسْعَةَ وَالْعِشْرِينَ

=

خلص في تفسير الحروف التي يبتدأ بها بعض الصور بعد عرض أحدى وعشرون قولاً إلى:

الْأَرْجَحَ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ كَوْنُ تِلْكَ الْحُرُوفِ لِتَبْكِيتِ الْمُعَانِدِينَ وَتَسْجِيلًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ كَوْنُهَا أَسْمَاءً لِلسُّوَرِ الْوَاقِعَةِ هِيَ فِيهَا، أَوْ كَوْنُهَا أَقْسَامًا أَقْسَمَ بِهَا لِتَشْرِيفِ قَدْرِ الْكِتَابَةِ وَتَنْبِيهِ الْعَرَبِ الْأُمِّيِّينَ إِلَى فَوَائِدِ الْكِتَابَةِ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ حَالَةِ الْأُمِّيَّةِ وَأَرْجَحُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ هُوَ أَوَّلُهَا

=

كَيْفِيَّةُ النُّطْقِ أَنْ يُنْطَقَ بِهَا مَوْقُوفَةً دُونَ عَلَامَاتِ إِعْرَابٍ عَلَى حُكْمِ الْأَسْمَاءِ الْمَسْرُودَةِ إِذْ لَمْ تَكُنْ مَعْمُولَةً لِعَوَامِلَ فَحَالُهَا كَحَالِ الْأَعْدَادِ الْمَسْرُودَةِ حِينَ تَقُولُ ثَلَاثَهْ أَرْبَعَهْ خَمْسَهْ.

=

قَالَ بَشَّارٌ:

أَخُوكَ الَّذِي إِنْ رِبْتَهُ قَالَ إِنَّمَا ... أَرَبْتَ وَإِنْ عَاتَبْتَهُ لَانَ جَانِبُهُ

أَي إِن فعلت مَعَه مَا يُوجب شكه فِي مودتك رَاجع نَفسه. وَقَالَ: إِنَّمَا قربني من الشَّك وَلم أَشك فِيهِ. أَي التمس لَك الْعذر.

=

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ هُوَ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ فَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى، الثَّانِي أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ أَجْمَعَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وَنَقَلَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي «الْفَائِقِ» عَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الْقُرَافِيُّ فِي الْفِرَقِ 241 أَصْلُ الْكُفْرِ هُوَ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيَكُونُ بِالْجَهْلِ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ أَوْ بِالْجُرْأَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَجَالُ الصَّعْبُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ

 

قاعدة، الكفر هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية إما بالجهل بوجوده أو صفاته أو بفعل كرمي المصحف في القاذورات والسجود للصنم أو التردد للكنائس بزي النصارى في أعيادهم أو جحد ما علم من الدين بالضرورة فقولنا خاص احتراز من المعاصي فإنها انتهاك وليست كفرا وألحق الشيخ أبو الحسن الأشعري بذلك إرادة الكفر كبناء الكنائس ليكفر فيها أو قتل نبي مع اعتقاد صحة رسالته ليميت شريعته ومنه تأخير إسلام من أتى يسلم ولا يندرج في ذلك الدعاء بسوء الخاتمة على العدو وفصل ولم أنسخ التفصيل!!!

 

 

مِنَ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:

اسْتَمْطَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ كُلَّ مُنْخَدِعٍ … إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا خَادَعْتَهُ انخدعا

 

قِيلَ: مَنْ لَمْ يَتَحَلَّمْ فِي الصِّغَرِ لَا يَتَحَلَّمْ فِي الْكِبَرِ، وَقَالَ النَّابِغَةُ يَهْجُو عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ:

فَإِنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أَوْ تَنَاهَى … إِذَا مَا شِبْتَ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ


مقتطفات من كتاب التحرير والتنوير لأبن عاشور2 كتاب بديع لكنه يحتاج صبر لتبحره وتوسعه

 


مقتطفات من كتاب التحرير والتنوير لأبن عاشور من سورة الفاتحة

أَنَّهَا تَشْتَمِلُ مُحْتَوَيَاتُهَا عَلَى أَنْوَاعِ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ ثَنَاءً جَامِعًا لِوَصْفِهِ بِجَمِيعِ المحامد وتنزيهه عَن جَمِيعِ النَّقَائِصِ، وَلِإِثْبَاتِ تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَإِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِنْ قَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مِنْ قَوْلِهِ: صِراطَ الَّذِينَ إِلَى آخِرِهَا، فَهَذِهِ هِيَ أَنْوَاعُ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَغَيْرُهَا تَكْمِلَاتٌ لَهَا لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْقُرْآنِ إِبْلَاغُ مَقَاصِدِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ صَلَاحُ الدَّارَيْنِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلَمَّا تَوَقَّفَتِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي عَلَى مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَأَنَّهُ اللَّهُ الْوَاجِبُ وُجُودُهُ خَالِقُ الْخَلْقِ لَزِمَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الصِّفَاتِ، وَلَمَّا تَوَقَّفَ تَمَامُ الِامْتِثَالِ عَلَى الرَّجَاءِ فِي الثَّوَابِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ لَزِمَ تَحَقُّقُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَالْفَاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى هَاتِهِ الْأَنْوَاعِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: يَوْمِ الدِّينِ حَمْدٌ وَثَنَاءٌ، وَقَوْلَهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُسْتَقِيمَ مِنْ نَوْعِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَقَوْلَهُ: صِراطَ الَّذِينَ إِلَى آخِرِهَا مِنْ نَوْعِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مَعَ أَنَّ ذِكْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضَّالِّينَ يُشِيرُ أَيْضًا إِلَى نَوْعِ قَصَصِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ يُؤَيَّدُ هَذَا الْوَجْهُ بِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ فِي: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاص: 1] أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ ألفاظها كلهَا أثْنَاء عَلَى اللَّهِ تَعَالَى

 فَهُنَّ ثَلَاثٌ ثُمَّ وَاحِدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ، فَعِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا تُعَدُّ الْبَسْمَلَةُ آيَةً وَتُعَدُّ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آيَةً، وَعِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ تُعَدُّ الْبَسْمَلَةُ آيَةً وَتُعَدُّ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ جُزْءَ آيَةٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَدَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةً وَعَدَّ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آيَةً.

 الْأَفْعَالُ الَّتِي نُحِتَتْ مِنْ أَسْمَائِهَا سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ فِي بِسْمِ اللَّهِ، وَسَبْحَلَ فِي سُبْحَانَ اللَّهِ، وَحَيْعَلَ فِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَحَوْقَلَ فِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَحَمْدَلَ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَهَلَّلَ فِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَجَيْعَلَ إِذَا قَالَ: جُعِلْتُ فدَاك، وَزَاد الطّبقلة فِي أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَالدَّمْعَزَةَ فِي أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ.

 قَالَ أُمَيَّةُ ابْن أَبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ:

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ

وقَالَ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ ... فَلَيْسَ إِحْسَانُهُ عَنَّا بِمَقْطُوعِ

 مَا نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَالَّذِي يَنْصِبُ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَحْدَهُ لِلَّهِ تَعَالَى

وَاعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ وَإِنْ كَانَتْ شَاذَّةً إِلَّا أَنَّهَا مُجْدِيَةٌ هُنَا لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى اعْتِبَارٍ عَرَبِيٍّ فِي تَطَوُّرِ هَذَا التَّرْكِيبِ الْمَشْهُورِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ نَطَقُوا بِهِ فِي حَالِ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَنْسَوْا أَصْلَ الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ. فَقَدْ بَانَ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ، وَأَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ وَالتَّعْرِيفِ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدًا لِلَّهِ بِالتَّنْكِيرِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالرَّفْعِ أَبْلَغَ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «إِنَّ الْعُدُولَ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ الْمَعْنَى وَاسْتِقْرَارِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [الذاريات: 25] رَفْعُ السَّلَامِ الثَّانِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةٍ أَحْسَنَ مِنْ تَحِيَّتِهِمُ» اهـ.